حين يتأخر ما ترجينه: رجاء لا يخاصم الواقع

تنتظرين خبرًا تتعلق به الأسرة: فرصة عمل، أو عودة غائب، أو قرارًا يفتح مرحلة جديدة. كلما رن الهاتف أسرعت إليه، ثم عدت إلى ما كنت تفعلينه بقلب أثقل قليلًا. يقول لك أحدهم إن عليك أن تكوني واثقة فقط. لكن الثقة بالله لا تجعل الانتظار سهلًا دائمًا، ولا تعني أنك تعرفين ما سيأتي ومتى يأتي.
يمكنك أن ترجوي الخير وأن تعترفي بالخوف في الوقت نفسه. لا يلزم أن تقدمي أمام أهلك صورة امرأة مطمئنة في كل لحظة حتى يكون دعاؤك صادقًا. بعض الصدق أن تقولي: «أرجو أن يتيسر الأمر، وأنا قلقة أيضًا». هذه العبارة تترك للرجاء مكانه، وتمنع القلق من أن يعيش خفيًا ثم يظهر غضبًا على من لا علاقة لهم بالخبر.
محبة الله تعين القلب على ألا يختصر صلته بربه في نتيجة واحدة. تدعين بما تحبين، وتأخذين بالأسباب المتاحة، وتقرين بأن الغيب ليس في يدك. لا نعرف أن التأخر عقوبة أو علامة على ضعف الدعاء، ولا نَعِد بأن الأمر سيأتي بالصورة التي رسمتها الأسرة. الرجاء يبقى رجاء، لا معرفة سرية بالمستقبل ولا عقدًا يشترط على الحياة طريقًا واحدًا.
اسألي الآن عن الخطوة التي يمكن فعلها فعلًا. ربما تكون متابعة طلب في موعده، أو استكمال ورقة، أو البحث عن بديل، أو ترتيب مصروف مؤقت. ثم ميزي بينها وبين تكرار فحص الهاتف كل دقائق. اختاري وقتًا للمتابعة، واتركي بقية اليوم لما يستحق حضوره أيضًا.
وفي حديث الأسرة، لا تحملي نفسك مهمة رفع معنويات الجميع بلا توقف. يمكنكم الاتفاق على طريقة لتبادل الأخبار دون استجواب متكرر. قولي: «إذا وصل جديد سأخبركم، وأحتاج ألا نعيد السؤال كل ساعة». هذا ليس قطعًا للمودة، بل حماية لمساحة تستطيعون فيها الأكل والنوم والعمل والحديث عن غير الانتظار. للحياة الجارية حق، حتى حين يكون باب مهم منها معلقًا.
وقد تحتاجون إلى خطة بديلة لا تلغي الرجاء. التفكير فيما ستفعلونه إن تأخر الأمر أكثر ليس سوء ظن بالله، بل اعتراف بأن قدرتكم محدودة وأن المسؤوليات مستمرة. ناقشوا الاحتمالات دون تهويل، ووزعوا ما يمكن توزيعه. لا يلزمك أن تقبلي قرارًا يضرك لأن الآخرين سمّوه توكلًا، ولا أن ترفضي كل مخاطرة معقولة لأنك تريدين ضمانًا لا يملكه أحد.
احفظي كذلك مساحة لمن يتعب بطريقة مختلفة. قد يريد زوجك الكلام وتريدين الصمت، أو العكس. وضحا احتياجاتكما دون محاكمة: «أحتاج أن تسمعني قليلًا»، أو «أحتاج ساعة هادئة ثم نعود إلى الحديث». اختلاف طريقة الانتظار لا يثبت اختلاف المحبة أو الإيمان.
حين يأتي المساء، ادعي بما في قلبك، ثم اختاري فعلًا صغيرًا يعيدك إلى يومك. ليس المطلوب أن تنسي ما ترجينه، وإنما ألا يبتلع كل ما تعيشينه. قد يطول الطريق، وقد تتغير الخطة، ويبقى ممكنًا أن تسيري بصدق وعناية. الرجاء الذي يصاحب الواقع يترك لك يدًا ممدودة بالدعاء، ويدًا تعمل بما تستطيع اليوم.
مع تحيات د.هانيبال يوسف حرب



