مجلة كلمة الله تعالى

(مقتطفات عن الورع – بقلم : الدكتورة نور ميري – العدد (48

hanibalharbmag-49.2

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ على سيدنا محمد شعلة النور و منارة الهدى و على الآل و الصحب و التابعين و المحسنين أجمعين

إن لنا في هدي رسول الله عليه الصلاة و السلام و سيرة السلف الصالح من صحابة و تابعين و محسنين أسوة حسنة و نماذج مضيئة في حسن الخلق و العمل و السلوك , كلما اتبعناها كلما ارتقينا أكثر إلى محاسن الكمال و سرنا أسرع على الدرب وصولاً إلى التحقق بأعلى درجات العبودية و مقامات الإحسان و حتى نلقى ربنا بقلب سليم .

و هنا نلقي ومضة من النور على خلق من الأخلاق أو وصف من الأوصاف التي تحلّوا بها و اجتهدوا في تحصيلها علها تكون لمن يقرأها شمعة منيرة وسط ظلمات العصر .

تعريف الورع :

الورع بالاصطلاح الشرعي :“ترك ما يريبك ونفي ما يعيبك والأخذ بالأوثق وحمل النفس على الأحوط، والورع اجتناب الشبهات ومراقبة الخطرات“ .

وقال إبراهيم: (( الورع ترك كل شبهة وترك ما لا يعنيك وترك الفضلات – الأشياء الزائدة- )) .

قال السيد الجرجاني رحمه الله تعالى: (هو اجتناب الشبهات خوفاً من الوقوع في المحرمات) [تعريفات السيد ص170].

وعرفه ابن القيم رحمه الله بقوله : ” ترك مايُخشى ضرره في الآخرة “.

وقال العلامة محمد بن علان الصدِّيقي رحمه الله تعالى: (هو عند العلماء ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس) [“دليل الفالحين شرح رياض الصالحين” ج5/ص26].

وقال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (الورع كف النفس عن ارتكاب ما تكره عاقبته) [“معراج التشوف” ص7].

جاء في الحديث الشريف عن رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم : ” الحلال بيّن ، والحرام بيّن ، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات : كراع يرعى حول الحمى ، يوشك أن يواقعه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة : إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ” صحيح البخاري .

 عن أهمية و ثمرات الورع :

” و ليس أدل على منزلة الورع , و أنه أرقى أنواع العبادة من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه، حيث قال: ( يا أبا هريرة كن ورعاً تكن أعبدَ الناس ) ” حقائق عن التصوف ص 340

” ولهذا كان الورع سبيلاً لنيل المنح الإلهية الكبرى ، كما قال يحيى بن معاذ رضي الله عنه: (من لم ينظر في الدقيق من الورع، لم يصل إلى الجليل من العطاء) [“الرسالة القشيرية” ص54 ”   حقائق عن التصوف ص 340 .

و قيل هو صفة جامعة لكل خصال الكمال ، فلقد دخل الحسن البصري رحمه الله مكة فرأى غلاماً من أولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد أسند ظهره إلى الكعبة يعظ الناس، فوقف عليه الحسن وقال: ( ما ملاك الدين ؟ فقال: الورع، قال: فما آفة الدين ؟ قال: الطمع. فتعجب الحسن منه، وقال: مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة) [“الرسالة القشيرية” ص54] .

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع ” [رواه الطبراني في “الأوسط”، والبزار بإسناد حسن].

قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: (ليس يدل على فهم العبد كثرةُ علمه، ولا مداومتُه على ورده، وإنما يدل على نوره وفهمه غناه بربه وانحياشه إليه بقلبه، والتحرر من رق الطمع، والتحلي بحلية الورع) [“معراج التشوف” ص7].

و أما عن ثمرات الورع فقد قيل أنه يجلب : محبة الله تعالى – استجابة للدعاء – اتقاء للعذاب – و به يتفاوت الناس في الجنة بتفاوتهم في الورع … و غير ذلك من الثمرات و الله أعلم .

 أمثلة عن الورع :

كان النبي صلى الله عليه و سلم يجد تمرة في الطريق أو على فراشه فيتورع عن أكلها خوفاً من أن تكون من الصدقة : (عن أنس رضي الله عنه ، قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق ، قال : ” لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ” صحيح البخاري .

روي أن الصدِّيق رضي الله عنه أكل طعاماً أتاه به غلامه، ثم أخبره الغلام أن فيه شبهة حرام ، فما وسع الصدِّيق رضي الله عنه إلا أن أدخل يده في فمه، فقاء كل شيء في بطنه .. أخرجه البخاري في صحيحه – باب أيام الجاهلية .

حُمِل إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مسك من الغنائم ¸فقبض على مشامه و قال : إنما يُنتَفعُ من هذا بريحه , و أنا أكره أن أجد ريحه دون المسلمين .. الرسالة القشيرية ص55 .

وقد رجع ابن المبارك رحمه الله من خراسان إلى الشام في رد قلم استعاره منها .

 مراتب الورع :

فورع العامة : ” ترك الحرام المتشابه ” معراج التشوف إلى حقائق التصوف .

قال صلى الله عليه و آله وسلم :” الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبين ذلك أمور مشتبهات ، لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام ” سنن الترمذي .

و ورع الخاصة : ” ترك كل ما يكدر القلب ويجد منه حزازة أو ظلمة ” معراج التشوف إلى حقائق التصوف .

قال صلى الله عليه و آله وسلم : ” دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ” سنن الترمذي .

يقول سفيان الثوري رحمه الله تعالى: (ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه) .. الرسالة القشيرية” ص54 .

و ورع خاصة الخاصة : ” رفض التعلق بغير الله وسد باب الطمع في غير الله وعكوف الهم على الله وعدم الركون إلى شيء سواه. وهذا الورع الذي هو ملاك الدين ” معراج التشوف إلى حقائق التصوف ” .

قال الشبلي رحمه الله تعالى: ( الورع أن تتورع عن كل ما سوى الله ) ..الرسالة القشيرية” ص54 .

 ملاحظات هامة :

ليس الورع فقط في ترك المشتبهات و إنما أيضاً في أداء ما وجب على الفرد :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:”لكن يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات: أحدها اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام لا في أداء الواجب، وهذا يُبتلى به كثيرٌ من المتدنيين المتورعة ، ترى أحدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة وعن الدرهم فيه شبهة لكونه من مال ظالم أو معاملة فاسدة، ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين وذوي الفجور في الدنيا، ومع هذا يترك أموراً واجبة عليه إما عيناً وإما كفاية وقد تعيَّنت عليه من صلة رحم وحق جار ومسكين وصاحب ويتيم وابن سبيل وحق مسلم وذي سلطان وذي علم، وعن أمر بمعروف ونهي عن منكر وعن الجهاد في سبيل الله إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه ” .

ليس هذا كل شيء عن الورع , فهناك الورع المستحب و الورع الواجب … و ما إلى غير ذلك , ولذا من المهم أن نذكر هنا أنه ” لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالِم متقن فإنه إذا جاوز ما رسم له و تصرف بذهنه عن غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه و المتنطعون هم الذين يخشى عليهم أن يكونوا ممن قيل فيهم : ( الذينَ ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون َ صنعا ) و لهذا قال  :فضل العالِم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي ) ” موعظة المؤمنين ص 128.

 

نفعنا الله تعالى وإياكم و رزقنا بفضله نعمة الورع , و جزا الله عنا سيدنا محمد و آله و أصحابه الورعين و التابعين أجمعين خير الجزاء و الحمد لله رب العالمين .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى