الله يعلم تعبك: لا تحوّلي العطاء إلى استنزاف

بعد أن ينام الجميع، تتذكرين أنك لم تجلسي لتأكلي بهدوء. ما زالت قائمة الغد مفتوحة، ورسالة قريبة تنتظر ردًا، وطلب آخر يبدو بسيطًا لمن يطلبه. تقولين لنفسك إن الله يعلم تعبك، ثم تنهضين كأن هذه المعرفة تلزمك بأن تواصلي مهما بلغت قدرتك. لكن عزاء القلب لا ينبغي أن يتحول إلى أمر دائم بإسكات الجسد.
أن يعلم الله ما تحملينه معنى يخفف وحشة العمل الذي لا يراه الناس. لا تحتاجين إلى تحويل كل جهد إلى حكاية تثبتين بها أنك تستحقين التقدير. وفي الوقت نفسه، ليس إخفاء حاجتك شرطًا للإخلاص، ولا طلب المساعدة انتقاصًا من محبتك لأسرتك. تستطيعين أن تعملي خيرًا، وأن تقولي بصدق إن طاقتك اليوم لا تكفي لمزيد منه.
قد تختلط في العطاء رغبات مختلفة: تحبين أن يفرحوا، وتخشين أن يغضبوا، وتريدين أن يبقى البيت منظمًا. تأملي أي هذه الدوافع يقودك حين توافقين وأنت مستنزفة. ليس المطلوب اتهام نيتك، بل معرفة الموضع الذي تحتاجين فيه إلى حرية أكبر. الموافقة التي لا تستطيع صاحبتها قول «لا» ليست دائمًا التعبير الأصدق عن الكرم.
اختاري مهمة واحدة يمكن توزيعها هذا الأسبوع. لا تطلبي مساعدة غامضة ثم تنتظري أن يُفهم كل شيء؛ قولي: «أحتاج أن تتولى متابعة هذا الأمر من بدايته إلى نهايته». اجعلي الاتفاق واضحًا، واتركي مساحة لطريقة أخرى مقبولة في الإنجاز. فالمشاركة لا تكتمل إذا بقيت أنت مديرة كل تفصيل ومذكّرة الجميع بما عليهم في كل مرة.
وقد تحتاجين إلى تقليل مستوى الخدمة لا إلى عامل إضافي فقط. وجبة أبسط، أو تأجيل زيارة، أو ترك ترتيب غير ضروري إلى الغد، ليست أحكامًا على قيمتك. ناقشي أثر ذلك مع الأسرة، وميزي بين حاجة لا تحتمل التأخير وبين صورة مثالية اعتدت مطاردتها. بعض الراحة يبدأ حين نسأل: لمن نؤدي هذا المشهد المتقن، وما ثمنه؟
استحضري محبة الله لتمنحك رفقًا لا لتسلبك صوتك. يمكنك أن تدعيه بالعون، ثم تفتحي حديثًا عن توزيع الأعباء. وإذا قوبلت حاجتك بالسخرية أو اتُّهم إيمانك لأنك طلبت الراحة، فلا تجعلي الاتهام حكمًا نهائيًا على نفسك. ابحثي عن دعم موثوق، وسمّي ما يحدث دون مبالغة أو إنكار. الدين ليس أداة لإلزام طرف بأن يخدم بلا حد.
قد لا يتاح يوم كامل، لكن يمكن حفظ مساحة صغيرة لا تُملأ تلقائيًا بطلب آخر. ابدئي بما تستطيعين، وراجعي الاتفاق إذا لم يعمل. وللآخرين حدودهم وتعبهم؛ العدل لا ينقل الاستنزاف من شخص إلى شخص، وإنما يبحث عن حمل يمكن تقاسمه بإنصاف.
ليس مطلوبًا أن ينتهي هذا اليوم بإثبات أنك أقوى من حاجتك. ربما تكون الخطوة الأصدق أن تجلسي، وتأكلي، وتطلبي من أحد أن يكمل ما يمكنه إكماله. الله يعلم تعبك، وأنت لا تخونين عطاءك حين تعترفين به. محبة الأسرة تتسع لوجودك إنسانة لها حق في السعة، لا وظيفة لا تتوقف ما دام في البيت طلب جديد.
مع تحيات د.هانيبال يوسف حرب



